دارك بولتكس للاستشارات السياسية > شؤون حكومية > ملف وكلاء النيابة .. هل عَدِلَ وزير العدل في إجراءاته التصحيحية؟ 
وزير العدل ناصر السميط يتفقد سير اختبارات قبول وكلاء النيابة

ملف وكلاء النيابة .. هل عَدِلَ وزير العدل في إجراءاته التصحيحية؟ 

أدان وزير العدل المستشار ناصر السميط – في تصريح غير مسبوق – لجنة قضائية مشكلة لاختيار وظيفة باحث مبتدئ قانوني المؤهلة لوظيفة وكيل نيابة، وقال الوزير في بيانه الذي تناقلته وسائل الإعلام أن “مخالفات شابت أعمال لجنة الاختيار والفريق المعاون لها والتي ألقت بظلالها على عملية القبول برمتها بالقدر الذي جعلها لا تعبر بصدق عن واقع نتائج المتقدمين، وبلغت حدا من الجسامة لا يجدي معه أي تصحيح أو مراجعة لاحقة”.

والجدير بالذكر أن اللجنة يترأسها السيد المستشار النائب العام وتضم في عضويتها عددا من المستشارين القضاة بموجب القرارين الوزاريين رقمي 1602 و1603 لسنة 2024، وكان المجلس الأعلى للقضاء قد وافق على قبول حوالي 112 في الوظيفة من الذكور والإناث، ورفع الأسماء إلى الوزير لإصدار قرار بشأنهم.

ظاهر التصريح

ظاهر التصريح حرص الوزير على “ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة والشفافية وحفاظا على ثقة المجتمع في رسالة القضاء”، وهو موقف إيجابي وتدخل حميد ويملك وفق صلاحياته اتخاذ مثل تلك القرارات، ولكن هل عَدِلَ وزير العدل في إجراءاته التصحيحية؟ الإجابة على هذا التساؤل تتطلب تتبع مسار الإجراءات وما ورد بقانون تنظيم القضاء من أحكام.

يشير وزير العدل في تصريحه إلى ورود شكاوى وتظلمات – رغم أن نتائج القبول لم تعلن رسميا – بشأن إجراءات قبول المتقدمين لشغل وظيفة باحث مبتدئ قانوني مما ترتب عليه فحص المستندات، وبحسب الإجراءات فإن الشكاوى تتطلب إجراء تحقيق رسمي للتحقق منها، والتظلمات تستوجب وجود لجنة معلنة للنظر بها، وكلا الأمرين لم يتحققا، فغياب التحقيق صادَر حق أعضاء اللجنة في الدفاع عن أعمالهم، واستقبال التظلمات دون وجود قرار وتنظيم إجرائي فعلٌ مخالف للقواعد العامة، وعلى سبيل المثال حين بدأت وزارة الداخلية في سحب الجناسي شكلت لجنة مختصة للنظر في التظلمات وأعلن عنها للكافة رغم أن موضوع الجنسية في الكويت يعتبر من أعمال السيادة ولا تنظرها المحاكم.

مهنة القضاء

ومن جهة أخرى، تنص المادة 41 من الفصل السادس – التأديب من قانون مهنة القضاء على ” .. كما تقام الدعوى ايضا ضد القاضي او عضو النيابة إذا فقد الثقة والاعتبار او فقد الصلاحية لغير الاسباب الصحية بناء على شكوى تقدم بذلك، ويحال الى مجلس التأديب للنظر في امر فصله من الخدمة. ولا ترفع الدعوى الا بعد تحقيق جزائي او اداري يتولاه التفتيش القضائي او من يندبه لذلك المجلس الاعلى للقضاء إذا كان المحقق معه أقدم من رئيس التفتيش القضائي. وعلى رئيس التفتيش القضائي رفع الدعوى خلال ثلاثين يوما من تاريخ الطلب”.

وحيث أن الشكاوى – بحسب تصريح الوزير – ضد أعمال لجنة قضائية، فبالتالي الجهة المناط لبحث تلك الشكاوى هي مجلس التأديب وليس الوزير لتأخذ مجراها وفق ما رسمه قانون مهنة القضاء.

مما سبق، يتضح أن وزير العدل المستشار ناصر السميط سلك مسارا مغايرا للإجراءات المتعارف عليها قانونيا وإداريا، وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة ذات أهمية، إن كانت دوافع الوزير السميط تصحيحية كما ورد في تصريحه، فإن معالجة الخطأ بسلسلة أخطاء يفقد النوايا قيمتها، وإن كان التحرك لأسباب أخرى فمن البديهي ألا يضع هذا المسار وزنا للإجراءات السابقة، فتكون هي والعدم سواء، فالهدف هو النتيجة وليس كيفية الوصول لها.

باب التساؤلات

من جانب آخر، تصريح الوزير حمل إدانة مباشرة لا يمكن تأويلها بأي صورة أخرى، فيصف المخالفات بأنها “بلغت حدا من الجسامة لا يجدي معه أي تصحيح أو مراجعة لاحقة”، مما يفتح بابا واسعا من التساؤلات، لماذا لم يقرن الوزير تصريحه بإعلان محاسبة المخالفين واتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم؟ ومن جانب آخر، يترأس اللجنة السيد النائب العام فإن كان شاهدا على المخالفات الجسيمة في أعمال لجنته، فلماذا لا يحرك دعوى ضد المخالفين وهو من يملك الصلاحية؟ وبعد أن صدرت الإدانة من وزير العدل، لماذا لم يتحرك المجلس الأعلى للقضاء للتحقيق فيما ذكره الوزير؟ وأخيرا، أين هيئة مكافحة الفساد من حادثة بهذا الحجم والأطراف؟ وهل سيكون لها موفقا يعكس ما نص عليه قانونها؟

كشف الوزراء عن تجاوزات أو مخالفات في أعمال الأجهزة التي تقع تحت إشرافهم خطوة متقدمة تحمل شفافية عالية، لكنها خطوات إلى الوراء إن لم تتخذ إجراءات محاسبة تعلن بذات شفافية كشفها لتفادي الدخول في منطقة رمادية يصبح فيها الجميع إما متهمين أو مدانين بلا عقاب، وإن تقاعس الوزراء عن القيام بمسؤولياتهم، فإن الأجهزة الرقابية والقضائية تصبح مسؤوليتها مضاعفة، لمحاسبة الوزراء المتقاعسين عن تقديم البلاغات وملاحقة المخالفين، وهذا اختبار للكل تبدو فيه نسبة النجاح ضئيلة، ولكنها قائمة وممكنة .. إن أرادوا.