لم تعكس أرقام التصويت على طلب طرح الثقة بنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الشيخ حمد جابر العلي حقيقة الحدث السياسي، فالوزير نجا برلمانيا من مقصلة الاعدام بفارق بسيط، إلا أن خسائره السياسية جسيمة، فقد اضطر الى التراجع عن موقفه من دخول المرأة السلك العسكري بإجراء تعديل جذري على القرار يلزمها بالحجاب الشرعي وموافقة ولي أمرها، وذلك بناء على فتوى دينية، أما الحكومة فقد أجبرت على تقديم تنازلات للمجلس وزيادة رأس مال بنك الائتمان، وهو الملف الذي كانت ترفض حلحلته على مدى سنوات بسبب نقص السيولة.
حماية الشيوخ
الحكم والحكومة، لأول مرة منذ سنوات، يرميان بكل ثقلهما لحماية وزير من أبناء الأسرة من السقوط السياسي، فالجابر من الأسماء المرشحة مستقبلا لرئاسة الوزراء أو منصب على مستوى الامارة، والمحافظة عليه أصبحت ضرورة بعد أن تساقطت أسماء عديدة من الصف الثاني للأسرة خلال المواجهات مع البرلمان، وفي خضم صراعاتهم الداخلية، حتى بات السؤال الدائم بين الأوساط السياسية والشعبية، من هم حكام المستقبل؟
هذه الحماية التي رأى الحكم ضرورتها، تتقاطع مع رغبة ملحة لعدد من أعضاء مجلس الأمة لإسقاط السلطتين التنفيذية والتشريعية، والسبيل الأمثل في ذلك هو استهداف الوزراء الشيوخ، ولعل في كلمة النائب شعيب المويزري المؤيد لطرح الثقة بالوزير حمد الجابر إشارة واضحة، فقد أعلن عن قائمة الاستجوابات المقبلة، وزير الخارجية الشيخ أحمد ناصر المحمد ويليه رئيس الوزراء سمو الشيخ صباح الخالد.
مستقبل الدولة
الاشكالية في المواجهة بين الطرفين أنها لا تحمل أي بعد نظر لمستقبل الدولة، فالأسرة الحاكمة لا تمارس مسؤولياتها بجدية لتهيئة أبنائها لإدارة شؤون الإمارة مستقبلا، فإن كان الدستور الكويتي ينص على أن الحكم يقع في ذرية مبارك الكبير، فذلك لا يعني أن الشرط الوحيد هو الانتماء لهذا الفرع، فبناء الحكام مشروع يبدأ مبكرا، يغرس بهم مبادئ العدالة والمساواة، الدفاع عن النظام الدستوري الديموقراطي، حماية المال العام والقرب من الشعب وكسب محبته. هذه الأساسيات مفقودة واستبدلت بمعايير السن وظروف الحياة وأقدار الموت.
ولغياب هذه المقومات في تأهيل أبناء الأسرة، يلجأ الحكم و/أو الحكومة الى الخزينة العامة للدولة لحماية أبنائه، فيقر تارة بدلات وعلاوات مالية ضخمة تربك هيكل الرواتب الحكومي، وتارة أخرى يوافق على تعديلات تشريعية ذات كلفة مالية مرتفعة تهز الصناديق المالية، ورغم ذلك الا ان الأرباح مؤقتة والخسائر دائمة على حساب الأسرة وديمومة الدولة.
في المقابل، الطرف النيابي – في الوقت الراهن – الذي يرى في استهداف الوزراء الشيوخ وسيلة تبرر غاية حل الحكومة والمجلس، لا يضع اعتبارا لخطورة تصفية الصف الثاني والثالث من أبناء الأسرة بهذه الصورة المتسارعة، وجسامة خلق فراغ في المستويات بين الإمارة كسلطة، والشيوخ القادرين على ادارتها مستقبلا، فمشروعه قائم على رحيل الرئيسين – لأسباب قد تذكر في تقارير لاحقة – لكسب رمزية زعامة المعارضة، واستمرارية حشد الجمهور من حوله لانتخابات مقبلة.
نفق مظلم
بداية الخروج من النفق المظلم الذي تعيشه الدولة يجب أن تنطلق من الأسرة، فمتى ما صلح أبناؤها وتم تهيئتم للمسؤولية وفق مقومات الحكام، صلحت رئاسة الوزراء وحسنت اختيارات الحكومة والوزراء، ومتى ما شعر المواطنون بالإصلاح تغيرت نظرتهم للحكومة وتغيرت اختياراتهم لأعضاء مجلس الأمة، وأصبحت أكثر اعتدالا ومسؤولية.
التدمير الفوضوي للأسرة الحاكمة – سواء من الداخل أو الخارج – وانحراف الديمقراطية عن مسارها كنظام إدارة الى سلاح فتاك لتحقيق مكاسب – أيا كانت –، واستمرار الحكومة في قيادة دفة الإدارة دون بوصلة، وبشتات فريقها وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات المصيرية، لا يعطي مؤشرات جيدة لمستقبل الدولة، فكلما ضعف النظام وتراجعت الديمقراطية وفشلت الإدارة، ضاع الحكم والوطن، فهل من رشيد؟
نسخة PDF: الأسرة الحاكمة في الكويت .. بين حماية أبنائها من الوزراء وتصفية النواب لهم